Page 148 - web
P. 148
ISSUE No. 455
الثورة الرقمية في نقل الدبلوماسية من إطارها الكلاسيكي الجماعي ،وتقريب وجهات النظر بين الشعوب ،وتعزيز التعاون
القائم على العلاقات الرسمية بين الدول إلى دبلوماسية
أكثر انفتاً ًحا تشمل الدول والشعوب والحضارات ،وأسهمت المثمر من خلال توظيف أدوات القوة الناعمة القائمة على
في تفعيل أدوات «الإعلام الجديد» ومنصاته التفاعلية
الجاذبية الثقافية ،والقيم السياسية ،وشرعية السياسات
()Melissen, 2005
وفي ظل عالم يتسم بالتنوع الثقافي والتعددية الحضارية، العامة.
أضحت الدبلوماسية الحضارية أكثر إلحاً ًحا من أي وقت مضى،
باعتبارها ممارسة دبلوماسية تسعى إلى بناء التفاهم وفي ظل التحولات الرقمية الراهنة ،أصبح ميدان العلاقات
لولالقايحتمراالإمنالسامنتيباةداللمبيشنترالكثةقاوفتاعتزيازل املخحتولارف اةل،ب ّّنامء،نبدخللا اللاالتكرتوفياءج آلياشته أدكاثنرتقمااًلارونةم ونت اكليأًًفاساليمبع الدولية فضا�ء رقمًًيا بامتياز،
بمنطق المصالح الضيقة أو موازين القوة الصلبة ()Nye, 2004 الدبلوماسية الكلاسيكية إلى
ثانًًيا :الجذور التاريخية للدبلوماسية والحوار الحضاري
منطق الثورة الرقمية وديناميات «الإعلام الجديد» .وعليه،
رغم حداثة المفهوم في صيغته المعاصرة ،فإن
الدبلوماسية ليست وليدة العصر الحديث ،بل ممارسة يضطلع الإعلام الرقمي بدور محوري في بناء الدبلوماسية
ضاربة في عمق التاريخ الإنساني ،ارتبطت بفعل التواصل بين
الحضارات والثقافات .فقد طّّور الإغريق أنظمة وممارسات الحضارية ،عبر تعزيز التواصل الثقافي ،ونقل الرسائل
دبلوماسية قائمة على التسوية بالتراضي ،وإبرام الاتفاقات
والمعاهدات ،وإقرار الهدن المؤقتة ،كما تجلى ذلك في الدبلوماسية بفعالية ،وتوسيع دوائر التفاعل مع الرأي العام
«الهدنة المقدسة» خلال الألعاب الأولمبية. العالمي.
وفي الحضارة الصينية القديمة ،جرى اختيار المبعوثين ومن ث ّّم ،فإن تمكين الدبلوماسية الحضارية وتعظيم
الدبلوماسيين وفق معايير أخلاقية وكفاءات عالية ،انسجا ًًما
مع تعاليم الفيلسوف كونفوشيوس .كما دعا المفكر دورها في ظل التطورات التقنية والرقمية المتسارعة،
«كوانغ شينغ» إلى ترسيخ السلم كخيار إستراتيجي ،والاهتمام
بالاتصال والبعثات الدبلوماسية باعتبارها أدوات مركزية في والمتغيرات الاجتماعية والثقافية المصاحبة لها ،من شأنه
إدارة العلاقات الخارجية ()Hamilton & Langhorne, 2011 أن يعزز فاعلية القوة الناعمة ،ويسهم في توجيهها نحو
ثالًًثا :الدبلوماسية الحضارية كإطار إنساني
وإستراتيجي دعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية ،وإنتاج نماذج تواصلية
مبتكرة قادرة على الاستجابة لتحديات العالم المعاصر ،في
إطار يراعي متطلبات الأمن الفكري والاستقرار الدولي.
من الدبلوماسية التقليدية إلى الدبلوماسية
الحضارية :نحو بلورة ثقافة دبلوماسية ناعمة
أواًلا :التحول من الدبلوماسية التقليدية إلى
الدبلوماسية الناعمة
شهد القرن الحادي والعشرون تطو ًًرا متسارًًعا في
تكنولوجيات الإعلام والاتصال ،انعكس على الحياة
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ،ولم تكن
الممارسة الدبلوماسية بمنأى عن هذا التحول .فقد أسهمت
147

